عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
338
اللباب في علوم الكتاب
وعظّم : « إنّي أحمس » فقال الرّجل : « إن كنت أحمسيا ، فإني أحمسي ، رضيت بهديك ، وسمتك ، ودينك » ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية الكريمة « 1 » . قال الزّهريّ : كان ناس من الأنصار ، إذا أهلّوا بالعمرة ، لم يحل بينهم وبين السّماء شيء ، وكان الرّجل يخرج مهلّا بالعمرة ، فتبدو له الحاجة بعد ما يخرج من بيته ؛ فيرجع ، ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول بينه وبين السّماء ، فيفتح الجدار من ورائه ، ثمّ يقوم في حجرته فيأمر بحاجته ؛ حتى بلغنا أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وشرّف ، وكرّم ، ومجّد ، وبجّل ، وعظّم : أهلّ زمن الحديبية بالعمرة ، فدخل حجرة ، فدخل رجل على أثره من الأنصار من بني سلمة ، فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وشرّف ، وكرّم ، ومجّد ، وبجّل ، وعظّم : « لم فعلت ذلك ؟ » قال : « لأنّي رأيتك دخلت ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وشرّف ، وكرّم ، ومجّد ، وبجّل ، وعظّم : « إني أحمسي » فقال الأنصاريّ : وأنا أحمسي ، وأنا على دينك ، فأنزل اللّه تعالى الآية الكريمة « 2 » . فصل في اختلافهم في تفسير الآية ذكروا في تفسير الآية ثلاثة أوجه : أحدها : - وهو قول أكثر المفسرين - وهو حمل الآية الكريمة على ما قدّمناه في سبب النّزول ، ويصعب نظم الآية الكريمة عليه ؛ فإنّ القوم سألوا عن الحكمة في تغيير لون القمر ، فذكر اللّه تعالى الحكمة في ذلك ، وهي قوله : « مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ » فأيّ تعلّق بين بيان الحكمة في اختلاف نور القمر ، وبين هذه القصّة ، فذكروا وجوها : أحدها : أنّ اللّه - تبارك وتعالى - لمّا ذكر أنّ الحكمة في اختلاف أحوال الأهلّة جعلها مواقيت للنّاس والحجّ ، وكان هذا الأمر من الأشياء التي اعتبرها في الحجّ ، لا جرم ذكرها اللّه تعالى . وثانيها : أنه تعالى إنّما وصل قوله : « وَلَيْسَ الْبِرُّ أن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها » بقوله : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ » ؛ لأنّه إنما اتّفق وقوع القصّتين في وقت واحد ، فنزلت الآية الكريمة فيهما معا في وقت واحد ، ووصل أحد الأمرين بالآخر . وثالثها : كأنّهم لمّا سألوا عن الحكمة في اختلاف حال الأهلّة ، فقيل لهم : اتركوا السّؤال عن هذا الأمر الذي لا يعنيكم ، وارجعوا إلى البحث ، عمّا هو أهمّ لكم ؛ فإنّكم تظنّون أنّ إتيان البيوت من ظهورها برّ ؛ وليس الأمر كذلك . الوجه الثاني من تفسير الآية : أنّ قوله تعالى : « و لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 557 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 369 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر عن قيس بن جبير النهشلي وذكره الحافظ ابن حجر في « الإصابة » ( 2 / 209 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 558 ) عن الزهري وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 369 ) .